تقدم حديث جابر الذي في الصحيحين : أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال لمعاذ : ” هلا صليت ب ( سبح اسم ربك الأعلى ) ( والشمس وضحاها ) (والليل إذا يغشى ) ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

( والشمس وضحاها ( 1 ) والقمر إذا تلاها ( 2 )والنهار إذا جلاها ( 3 ) والليل إذا يغشاها ( 44 )والسماء وما بناها ( 5 ) والأرض وما طحاها ( 66 )ونفس وما سواها ( 7 ) فألهمها فجورها وتقواها ( 8 ) قد أفلح من زكاها ( 9 ) وقد خاب من دساها ( 100 ) )

قال مجاهد : ( والشمس وضحاها ) أي : وضوئها . وقال قتادة : ( وضحاها ) النهار كله .

قال ابن جرير : والصواب أن يقال : أقسم الله بالشمس ونهارها ; لأن ضوء الشمس الظاهر هو النهار .

( والقمر إذا تلاها ) قال مجاهد : تبعها . وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( والقمر إذا تلاها ) قال : يتلو النهار . وقال قتادة : ( إذا تلاها ) ليلة الهلال ، إذا سقطت الشمس رؤي الهلال .

وقال ابن زيد : هو يتلوها في النصف الأول من الشهر ، ثم هي تتلوه . وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر .

وقال مالك ، عن زيد بن أسلم : إذا تلاها ليلة القدر .

وقوله : ( والنهار إذا جلاها ) قال مجاهد : أضاء . وقال قتادة : ( والنهار إذا جلاها ) إذا غشيها النهار .

قال ابن جرير : وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى : والنهار إذا جلا الظلمة ، لدلالة الكلام عليها .

قلت : ولو أن هذا القائل تأول [ ذلك ] بمعنى (والنهار إذا جلاها ) أي : البسيطة ، لكان أولى ، ولصح [ تأويله في ] قول الله ( والليل إذا يغشاها ) فكان أجود وأقوى ، والله أعلم . ولهذا قال مجاهد : (والنهار إذا جلاها ) إنه كقوله : ( والنهار إذا تجلى ) [ الليل : 2 ] . [ ص: 411 ] وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس ، لجريان ذكرها . وقالوا في قوله : ( والليل إذا يغشاها ) يعني : إذا يغشى الشمس حين تغيب ، فتظلم الآفاق .

وقال بقية بن الوليد ، عن صفوان ، حدثني يزيد بن ذي حمامة قال : إذا جاء الليل قال الرب جل جلاله : غشي عبادي خلقي العظيم ، فالليل يهابه ، والذي خلقه أحق أن يهاب . رواه ابن أبي حاتم .

وقوله : ( والسماء وما بناها ) يحتمل أن تكون ” ما ” هاهنا مصدرية ، بمعنى : والسماء وبنائها . وهو قول قتادة ، ويحتمل أن تكون بمعنى ” من ” يعني : والسماء وبانيها . وهو قول مجاهد ، وكلاهما متلازم ، والبناء هو الرفع ، كقوله : ( والسماء بنيناها بأيد ) أي : بقوة ( وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ) [ الذاريات : 47 ، 48 ] .

وهكذا قوله : ( والأرض وما طحاها ) قال مجاهد : (طحاها ) دحاها . وقال العوفي ، عن ابن عباس : (وما طحاها ) أي : خلق فيها .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( طحاها ) قسمها .

وقال مجاهد ، وقتادة والضحاك ، والسدي ، والثوري ، وأبو صالح ، وابن زيد : ( طحاها ) بسطها .

وهذا أشهر الأقوال ، وعليه الأكثر من المفسرين ، وهو المعروف عند أهل اللغة ، قال الجوهري : طحوته مثل دحوته ، أي : بسطته .

وقوله : ( ونفس وما سواها ) أي : خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة ، كما قال تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) [ الروم : 300 ] وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ” .

أخرجاه من رواية أبي هريرة

وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي ، عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” يقول الله – عز وجل – : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ” .

وقوله : ( فألهمها فجورها وتقواها ) أي : فأرشدها إلى فجورها وتقواها ، أي : بين لها ذلك ، وهداها إلى ما قدر لها .

قال ابن عباس : ( فألهمها فجورها وتقواها ) بين لها الخير والشر . وكذا قال مجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، والثوري .

[ ص: 412 ]

وقال سعيد بن جبير : ألهمها الخير والشر . وقال ابن زيد : جعل فيها فجورها وتقواها .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل قالا حدثنا عزرة بن ثابت ، حدثني يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر ، عن أبي الأسود الديلي قال : قال لي عمران بن حصين : أرأيت ما يعمل فيه الناس ويتكادحون فيه ، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم – صلى الله عليه وسلم – وأكدت عليهم الحجة ؟ قلت : بل شيء قضي عليهم . قال : فهل يكون ذلك ظلما ؟ قال : ففزعت منه فزعا شديدا ، قال : قلت له : ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . قال : سددك الله ، إنما سألت لأخبر عقلك ، إن رجلا من مزينة – أوجهينة – أتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله ، أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون ، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق ، أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ، وأكدت به عليهم الحجة ؟ قال : ” بل شيء قد قضي عليهم ” . قال : ففيم نعمل ؟ قال : ” من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها ، وتصديق ذلك في كتاب الله : ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها )

رواه أحمد ومسلم ، من حديث عزرة بن ثابت به .

وقوله : ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) يحتمل أن يكون المعنى : قد أفلح من زكى نفسه ، أي : بطاعة الله – كما قال قتادة – وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل . ويروى نحوه عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير . وكقوله : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) [ الأعلى : 14 ، 15 ] .

( وقد خاب من دساها ) أي : دسسها ، أي : أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى ، حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله – عز وجل – .

وقد يحتمل أن يكون المعنى : قد أفلح من زكى الله نفسه ، وقد خاب من دسى الله نفسه ، كما قال العوفيوعلي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي وأبو زرعة قالا حدثناسهل بن عثمان ، حدثنا أبو مالك – يعني عمرو بن هشام – عن جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباسقال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول في قول الله : ( قد أفلح من زكاها ) قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” أفلحت نفس زكاها الله ” .

ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي مالك ، به .وجويبر [ هذا ] هو ابن سعيد ، متروك الحديث ،والضحاك لم يلق ابن عباس .

[ ص: 413 ]

وقال الطبراني : حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لهيعة ، عن عمرو بن دينار ،عن ابن عباس قال : كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا مر بهذه الآية : ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) وقف ، ثم قال : ” اللهم آت نفسي تقواها ، أنت وليها ومولاها ، وخير من زكاها ” .

حديث آخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يعقوب بن حميد المدني ، حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي ، حدثنا معن بن محمد الغفاري ، عنحنظلة بن علي الأسلمي ، عن أبي هريرة قال : سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقرأ : ( فألهمها فجورها وتقواها ) قال : ” اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها ” لم يخرجوه من هذا الوجه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن نافع – عن ابن عمر – عن صالح بن سعيد ، عن عائشة : أنها فقدت النبي – صلى الله عليه وسلم – من مضجعه ، فلمسته بيدها ، فوقعت عليه وهو ساجد ، وهو يقول : ” رب ، أعط نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها ” تفرد به .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثناعبد الواحد بن زياد ، حدثنا عاصم الأحول ، عن عبد الله بن الحارث ، عن زيد بن أرقم قال : كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : ” اللهم ، إني أعوذ بك من العجز والكسل والهرم ، والجبن والبخل وعذاب القبر . اللهم ، آت نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها . اللهم ، إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع ، وعلم لا ينفع ، ودعوة لا يستجاب لها ” . قال زيد : كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يعلمناهن ونحن نعلمكوهن .

رواه مسلم من حديث أبي معاوية ، عن عاصم الأحول ، عن عبد الله بن الحارث – وأبي عثمان النهدي ، عن زيد بن أرقم ، به .

( كذبت ثمود بطغواها ( 11 ) إذ انبعث أشقاها ( 12 ) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها ( 13 ) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ( 14 ) ولا يخاف عقباها ( 15 ) )

يخبر تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم ، بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي .

وقال محمد بن كعب : ( بطغواها ) أي : بأجمعها .

والأول أولى ، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما . فأعقبهم ذلك تكذيبا في قلوبهم بما جاءهم به [ ص: 4144 ]رسولهم من الهدى واليقين .

( إذ انبعث أشقاها ) أي : أشقى القبيلة ، هو قدار بن سالف عاقر الناقة ، وهو أحيمر ثمود ، وهو الذي قال تعالى : ( فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ) [ القمر : 299 ] . وكان هذا الرجل عزيزا فيهم ، شريفا في قومه ، نسيبا رئيسا مطاعا ، كما قال الإمام أحمد :

حدثنا ابن نمير ، حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة قال : خطب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فذكر الناقة ، وذكر الذي عقرها ، فقال : ” (إذ انبعث أشقاها ) انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه ، مثل أبي زمعة ” .

ورواه البخاري في التفسير ، ومسلم في صفة النار ،والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما وكذا ابن جرير وابن أبي حاتم [ من طرق ] عن هشام بن عروة ، به .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا عيسى بن يونس ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني يزيد بن محمد بن خثيم عن محمد بن كعب القرظي ، عن محمد بن خثيم أبي يزيد عنعمار بن ياسر قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لعلي : ” ألا أحدثك بأشقى الناس ؟ ” . قال : بلى : قال : ” رجلان ; أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك يا علي على هذا – يعني قرنه – حتى تبتل منه هذه ” يعني : لحيته .

وقوله : ( فقال لهم رسول الله ) يعني صالحا ، عليه السلام : ( ناقة الله ) أي : احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء ، ( وسقياها ) أي : لا تعتدوا عليها في سقياها ، فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم . قال الله : (فكذبوه فعقروها ) أي : كذبوه فيما جاءهم به فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله من الصخرة آية لهم وحجة عليهم ، ( فدمدم عليهم ربهم بذنبهم ) أي : غضب عليهم ، فدمر عليهم ، ( فسواها ) أي : فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء .

قال قتادة : بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم ، وذكرهم وأنثاهم ، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنوبهم فسواها .

وقوله : ( ولا يخاف عقباها ) وقرئ : ” فلا يخاف عقباها ” .

[ ص: 415 ]

قال ابن عباس : لا يخاف الله من أحد تبعة . وكذا قالمجاهد ، والحسن ، وبكر بن عبد الله المزني ، وغيرهم .

وقال الضحاك والسدي : ( ولا يخاف عقباها ) أي : لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع . والقول الأول أولى ; لدلالة السياق عليه ، والله أعلم .

بسم الله الرحمن الرحيم

( والسماء والطارق ( 1 ) وما أدراك ما الطارق ( 2 ) النجم الثاقب ( 3 ) إن كل نفس لما عليها حافظ( 4 ) فلينظر الإنسان مم خلق ( 5 ) خلق من ماء دافق ( 6 ) يخرج من بين الصلب والترائب ( 77 )إنه على رجعه لقادر ( 8 ) يوم تبلى السرائر ( 99 )فما له من قوة ولا ناصر ( 10 ) )

يقسم تعالى بالسماء وما جعل فيها من الكواكب النيرة ; ولهذا قال : ( والسماء والطارق ) ثم قال ( وما أدراك ما الطارق ) ثم فسره بقوله : ( النجم الثاقب )

قال قتادة وغيره : إنما سمي النجم طارقا ; لأنه إنما يرى بالليل ويختفي بالنهار . ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح : نهى أن يطرق الرجل أهله طروقاأي : يأتيهم فجأة بالليل . وفي [ ص: 375 ] الحديث الآخر المشتمل على الدعاء : ” إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ” .

وقوله : ( الثاقب ) قال ابن عباس : المضيء . وقالالسدي : يثقب الشياطين إذا أرسل عليها . وقالعكرمة : هو مضيء ومحرق للشيطان .

وقوله : ( إن كل نفس لما عليها حافظ ) أي : كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات ، كما قال تعالى : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) الآية [ الرعد : 11 ] .

وقوله : ( فلينظر الإنسان مم خلق ) تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه ، وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد ; لأن من قدر على البداءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى ، كما قال : ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] .

وقوله : ( خلق من ماء دافق ) يعني : المني ; يخرج دفقا من الرجل ومن المرأة ، فيتولد منهما الولد بإذن الله ، – عز وجل – ; ولهذا قال : ( يخرج من بين الصلب والترائب ) يعني : صلب الرجل وترائب المرأة ، وهو صدرها .

قال شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( يخرج من بين الصلب والترائب ) صلب الرجل وترائب المرأة ، أصفر رقيق ، لا يكون الولد إلا منهما . وكذا قال سعيد بن جبير ، وعكرمة ، وقتادةوالسدي ، وغيرهم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثناأبو أسامة ، عن مسعر : سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس : ( يخرج من بين الصلب والترائب ) قال : هذه الترائب . ووضع يده على صدره .

وقال الضحاك وعطية ، عن ابن عباس : تريبة المرأة موضع القلادة . وكذا قال عكرمة ، وسعيد بن جبير . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : الترائب : بين ثدييها .

وعن مجاهد : الترائب ما بين المنكبين إلى الصدر . وعنه أيضا : الترائب أسفل من التراقي . وقال سفيان الثوري : فوق الثديين . وعن سعيد بن جبير : الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل .

وعن الضحاك : الترائب بين الثديين والرجلين والعينين .

وقال الليث بن سعد عن معمر بن أبي حبيبة المدني : أنه بلغه في قول الله – عز وجل – : ( يخرج من بين الصلب والترائب ) قال : هو عصارة القلب ، من هناك يكون الولد .

وعن قتادة : ( يخرج من بين الصلب والترائب ) من بين صلبه ونحره .

وقوله : ( إنه على رجعه لقادر ) فيه قولان :

أحدهما : على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك . قاله مجاهد ، [ ص:376 ] وعكرمة ، وغيرهما .

والقول الثاني : إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق ، أي : إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر ; لأن من قدر على البدء قدر على الإعادة .

وقد ذكر الله ، – عز وجل – هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع ، وهذا القول قال به الضحاك ،واختاره ابن جرير ، ولهذا قال : ( يوم تبلى السرائر ) أي : يوم القيامة تبلى فيه السرائر ، أي : تظهر وتبدو ، ويبقى السر علانية والمكنون مشهورا . وقد ثبت في الصحيحين ، عن ابن عمر : أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” يرفع لكل غادر لواء عند استه يقال : هذه غدرة فلان بن فلان ” .

وقوله : ( فما له ) أي : الإنسان يوم القيامة ( من قوة) أي : في نفسه ( ولا ناصر ) أي : من خارج منه ، أي : لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله ، ولا يستطيع له أحد ذلك .

( والسماء ذات الرجع ( 11 ) والأرض ذات الصدع( 12 ) إنه لقول فصل ( 13 ) وما هو بالهزل ( 14 ) إنهم يكيدون كيدا ( 15 ) وأكيد كيدا ( 166 )فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ( 17 ) )

قال ابن عباس : الرجع : المطر . وعنه : هو السحاب فيه المطر . وعنه : ( والسماء ذات الرجع ) تمطر ثم تمطر .

وقال قتادة : ترجع رزق العباد كل عام ، ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم .

وقال ابن زيد : ترجع نجومها وشمسها وقمرها ، يأتين من هاهنا .

( والأرض ذات الصدع ) قال ابن عباس : هو انصداعها عن النبات . وكذا قال سعيد بن جبيروعكرمة ، وأبو مالك ، والضحاك ، والحسن ،وقتادة ، والسدي ، وغير واحد .

وقوله : ( إنه لقول فصل ) قال ابن عباس : حق . وكذا قال قتادة .

وقال آخر : حكم عدل .

( وما هو بالهزل ) أي : بل هو حق جد .

ثم أخبر عن الكافرين بأنهم يكذبون به ويصدون عن سبيله ، فقال : ( إنهم يكيدون كيدا ) أي : يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن .

ثم قال : ( فمهل الكافرين ) أي : أنظرهم ولا تستعجل لهم ، ( أمهلهم رويدا ) أي : قليلا . أي : وترى ماذا أحل بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك ، كما قال : ( نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) [ لقمان : 24 ] .

قال عبد الله ابن الإمام أحمد : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن محمد – قال : عبد الله وسمعته أنا منه – حدثنامروان بن معاوية الفزاري ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي ، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني ، عن أبيه : أنه أبصر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس – أو : عصا – حين أتاهم يبتغي عندهم النصر ، فسمعته يقول : ” والسماء والطارق ” حتى ختمها – قال : فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك ، ثم قرأتها في الإسلام – قال : فدعتني ثقيف فقالوا : ماذا سمعت من هذا الرجل ؟ فقرأتها عليهم ، فقال من معهم من قريش : نحن أعلم بصاحبنا ، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه .

وقال النسائي : حدثنا عمرو بن منصور ، حدثنا أبو نعيم ، عن مسعر ، عن محارب بن دثار ، عن جابرقال : صلى معاذ المغرب ، فقرأ البقرة والنساء ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” أفتان يا معاذ ؟ ما كان يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق ، والشمس وضحاها ، ونحو هذا ؟ ” .

بسم الله الرحمن الرحيم

( إذا زلزلت الأرض زلزالها ( 1 ) وأخرجت الأرض أثقالها( 2 ) وقال الإنسان ما لها ( 3 ) يومئذ تحدث أخبارها ( 44 )بأن ربك أوحى لها ( 5 ) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ( 6 ) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ( 7 ) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( 8 ) )

قال ابن عباس : ( إذا زلزلت الأرض زلزالها ) أي : تحركت من أسفلها . ( وأخرجت الأرض أثقالها ) يعني : ألقت ما فيها من الموتى . قاله غير واحد من السلف . وهذه كقوله تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) [ الحج : 1 ] وكقوله ( وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت) [ الانشقاق : 3 ، 4 ] .

وقال مسلم في صحيحه : حدثنا واصل بن عبد الأعلى ، حدثنامحمد بن فضيل ، عن أبيه ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرةقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة ، فيجيء القاتل فيقول : في هذا قتلت ، ويجيء القاطع فيقول : في هذا قطعت رحمي ، ويجيء السارق فيقول : في هذا قطعت يدي ، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا ” .

وقوله : ( وقال الإنسان ما لها ) أي : استنكر أمرها بعد ما كانت قارة ساكنة ثابتة ، وهو مستقر على ظهرها ، أي : تقلبت الحال ، فصارت متحركة مضطربة ، قد جاءها من أمر الله ما قد أعد لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه ، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين والآخرين ، وحينئذ استنكر الناس أمرها وتبدلت الأرض غير الأرض والسموات ، وبرزوا لله الواحد القهار .

وقوله : ( يومئذ تحدث أخبارها ) أي : تحدث بما عمل العاملون على ظهرها .

[ ص: 461 ]

قال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم ، حدثنا ابن المبارك – وقالالترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي ، واللفظ له : حدثنا سويد بن نصر ، أخبرنا عبد الله – هو ابن المبارك – ، عن سعيد بن أبي أيوب ، عن يحيى بن أبي سليمان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( يومئذ تحدث أخبارها ) قال : ” أتدرون ما أخبارها ؟ ” . قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : ” فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها ، أن تقول : عمل كذا وكذا ، يوم كذا وكذا ، فهذه أخبارها ” .

ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب .

وفي معجم الطبراني من حديث ابن لهيعة : حدثني الحارث بن يزيد – سمع ربيعة الجرشي – : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” تحفظوا من الأرض ، فإنها أمكم ، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرا أو شرا ، إلا وهي مخبرة ” .

وقوله : ( بأن ربك أوحى لها ) قال البخاري : أوحى لها وأوحى إليها ، ووحى لها ووحى إليها : واحد وكذا قال ابن عباس : ( أوحى لها ) أي : أوحى إليها .

والظاهر أن هذا مضمن [ بمعنى ] أذن لها .

وقال شبيب بن بشر ، عن عكرمة عن ابن عباس : ( يومئذ تحدث أخبارها ) قال : قال لها ربها : قولي ، فقالت .

وقال مجاهد : ( أوحى لها ) أي : أمرها . وقال القرظي : أمرها أن تنشق عنهم .

وقوله : ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ) أي : يرجعون عن مواقف الحساب ( أشتاتا ) أي : أنواعا وأصنافا ، ما بين شقي وسعيد ، مأمور به إلى الجنة ، ومأمور به إلى النار .

قال ابن جريج : يتصدعون أشتاتا فلا يجتمعون آخر ما عليهم .

وقال السدي : ( أشتاتا ) فرقا .

وقوله تعالى : ( ليروا أعمالهم ) أي : ليعملوا ويجازوا بما عملوه في الدنيا ، من خير وشر . ولهذا قال : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )

قال البخاري : حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، حدثني مالك ، عنزيد بن أسلم ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” الخيل لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ; فأما الذي له أجر ، فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طيلها في مرج أو روضة ، فما أصابت في طيلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو [ ص: 462 ] شرفين ، كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به كان ذلك حسنات له ، وهي لذلك الرجل أجر . ورجل ربطها تغنيا وتعففا ، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها ، فهي له ستر . ورجل ربطها فخرا ورئاء ونواء ، فهي على ذلك وزر ” . فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر ، فقال : ” ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) .

ورواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا جرير بن حازم ، حدثنا الحسن عن صعصعة بن معاوية – عم الفرزدق – : أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) قال : حسبي ! لا أبالي ألا أسمع غيرها .

وهكذا رواه النسائي في التفسير ، عن إبراهيم بن يونس بن محمد المؤدب ، عن أبيه ، عن جرير بن حازم ، عن الحسن البصري قال : حدثنا صعصعة عم الفرزدق ، فذكره .

وفي صحيح البخاري ، عن عدي مرفوعا : ” اتقوا النار ولو بشق تمرة ، ولو بكلمة طيبة ” وفي الصحيح : ” لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط ” وفي الصحيح أيضا : ” يا نساء المؤمنات ، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ” يعني : ظلفها . وفي الحديث الآخر : ” ردوا السائل ولو بظلف محرق ” .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثناكثير بن زيد ، عن المطلب بن عبد الله ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” يا عائشة ، استتري من النار ولو بشق تمرة ، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان ” . تفرد به أحمد .

وروي عن عائشة أنها تصدقت بعنبة ، وقالت : كم فيها من مثقال ذرة .

وقال أحمد : حدثنا أبو عامر ، حدثنا سعيد بن مسلم ، سمعتعامر بن عبد الله بن الزبير ، [ ص: 463 ] حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل : أن عائشة أخبرته : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : ” يا عائشة ، إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله طالبا ” .

ورواه النسائي وابن ماجه ، من حديث سعيد بن مسلم بن بانكبه .

وقال ابن جرير : حدثني أبو الخطاب الحساني ، حدثنا الهيثم بن الربيع ، حدثنا سماك بن عطية ، عن أيوب ، عن أبي قلابة عن أنس قال : كان أبو بكر يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) فرفع أبو بكر يده وقال : يا رسول الله ، إني أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر ؟ فقال : ” يا أبا بكر ، ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة ” .

ورواه ابن أبي حاتم ، عن أبيه [ عن ] أبي الخطاب به . ثم قال ابن جرير :

حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب قال : في كتاب أبي قلابة ، عن أبي إدريس : أن أبا بكر كان يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره .

ورواه أيضا عن يعقوب ، عن ابن علية ، عن أيوب ، عن أبي قلابة : أن أبا بكر ، وذكره .

طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال :لما نزلت : ( إذا زلزلت الأرض زلزالها ) وأبو بكر الصديق، رضي الله عنه ، قاعد ، فبكى حين أنزلت ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما يبكيك يا أبا بكر ؟ ” . قال : يبكيني هذه السورة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر الله لكم ، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم ” .

حديث آخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن بن [ محمد بن ] المغيرة – المعروف بعلان المصري – ، قالا : حدثنا عمرو بن خالد الحراني ، حدثنا ابن لهيعة ، أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : لما أنزلت : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) قلت : يا رسول الله ، إني لراء عملي ؟ قال : ” نعم ” . قلت : تلك الكبار الكبار ؟ قال : ” نعم ” . قلت : الصغار الصغار ؟ قال : ” نعم ” . قلت : واثكل أمي . قال : ” أبشر يا أبا سعيد ; فإن الحسنة بعشر أمثالها – يعني إلى [ ص: 464 ] سبعمائة ضعف – ويضاعف الله لمن يشاء ، والسيئة بمثلها أو يغفر الله ، ولن ينجو أحد منكم بعمله ” . قلت : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ” ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة ” قال أبو زرعة: لم يرو هذا غير ابن لهيعة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني ابن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عنسعيد بن جبير في قوله تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) وذلك لما نزلت هذه الآية : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) [ الإنسان : 8 ] ، كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل الذي أعطوه ، فيجيء المسكين إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة والجوزة ونحو ذلك ، فيردونه ويقولون : ما هذا بشيء . إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه . وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير : الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك ، يقولون : إنما وعد الله النار على الكبائر . فرغبهم في القليل من الخير أن يعملوه ، فإنه يوشك أن يكثر ، وحذرهم اليسير من الشر ، فإنه يوشك أن يكثر ، فنزلت : ( فمن يعمل مثقال ذرة ) يعني : وزن أصغر النمل ( خيرا يره ) يعني : في كتابه ، ويسره ذلك . قال : يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة . وبكل حسنة عشر حسنات ، فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمنين أيضا ، بكل واحدة عشر ، ويمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات ، فمن زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا عمران ، عن قتادة ، عن عبد ربه ، عن أبي عياض ، عن عبد الله بن مسعود ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إياكم ومحقرات الذنوب ، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه ” . وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة ، فحضر صنيع القوم ، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود ، والرجل يجيء بالعود ، حتى جمعوا سوادا ، وأججوا نارا ، وأنضجوا ما قذفوا فيها .

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا سعيد ، حدثناعياش بن عباس ، عن عيسى بن هلال الصدفي ، عن عبد الله بن عمرو قال : أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أقرئني يا رسول الله . قال له : ” اقرأ ثلاثا من ذات الر ” . فقال له الرجل : كبر سني واستد قلبي ، وغلظ لساني . قال : ” فاقرأ من ذات حم ” ، فقال مثل مقالته الأولى . فقال : ” اقرأ ثلاثا من المسبحات ” ، فقال مثل مقالته . فقال الرجل : ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة . فأقرأه : ” إذا زلزلت الأرض زلزالها ” حتى إذا فرغ منها قال الرجل : والذي بعثك بالحق ، لا أزيد عليها أبدا . ثم أدبر الرجل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أفلح الرويجل! أفلح الرويجل! ” ثم قال : ” علي به ” . فجاءه فقال له : ” أمرت بيوم الأضحى جعله الله عيدا لهذه الأمة ” . فقال له الرجل : أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى فأضحي بها ؟ قال : ” لا ، ولكنك تأخذ من شعرك ، وتقلم أظفارك ، وتقص شاربك ، وتحلق عانتك ، فذاك تمام أضحيتك عند الله عز وجل ” .

وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي عبد الرحمن المقرئ به .

وقال الترمذي : حدثنا محمد بن موسى الحرشي البصري : حدثنا الحسن بن سلم بن صالح العجلي ، حدثنا ثابت البناني ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من قرأ ” إذا زلزلت ” عدلت له بنصف القرآن ” . ثم قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن سلم .

وقد رواه البزار ، عن محمد بن موسى الحرشي ، عن الحسن بن سلم ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ” قل هو الله أحد ” تعدل ثلث القرآن ، و ” إذا زلزلت ” تعدل ربع القرآن ” . هذا لفظه .

وقال الترمذي أيضا : حدثنا علي بن حجر ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا يمان بن المغيرة العنزي ، حدثنا عطاء ، عنابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ” إذا زلزلت ” تعدل نصف القرآن ، و ” قل هو الله أحد ” تعدل ثلث القرآن ، و ” قل يا أيها الكافرون ” تعدل ربع القرآن ” . ثم قال : غريب ، لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة

[ ص: 460 ]

وقال أيضا : حدثنا عقبة بن مكرم العمي البصري ، حدثنيابن أبي فديك ، أخبرني سلمة بن وردان ، عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه : ” هل تزوجت يا فلان ؟ ” قال : لا والله يا رسول الله ، ولا عندي ما أتزوج ؟! قال : ” أليس معك ” قل هو الله أحد ” ؟ ” . قال : بلى . قال : ” ثلث القرآن ” . قال : ” أليس معك ” إذا جاء نصر الله والفتح ” ؟ ” . قال : بلى . قال : ” ربع القرآن ” . قال : ” أليس معك ” قل يا أيها الكافرون ” ؟ ” . قال : بلى . قال : ” ربع القرآن ” . قال : ” أليس معك ” إذا زلزلت الأرض ” ؟ ” . قال : بلى . قال : ” ربع القرآن ” تزوج ، [ تزوج ] . ثم قال : هذا حديث حسن .

تفرد بهن ثلاثتهن الترمذي لم يروهن غيره من أصحاب الكتب .

بسم الله الرحمن الرحيم

( والتين والزيتون ( 1 ) وطور سينين ( 2 ) وهذا البلد الأمين ( 3 ) لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ( 4 ) ثم رددناه أسفل سافلين ( 5 ) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون ( 6 ) فما يكذبك بعد بالدين ( 7 ) أليس الله بأحكم الحاكمين ( 8 ) )

اختلف المفسرون هاهنا على أقوال كثيرة فقيل : المراد بالتين مسجد دمشق . وقيل : هي نفسها . وقيل : الجبل الذي عندها .

وقال القرطبي : هو مسجد أصحاب الكهف .

وروى العوفي ، عن ابن عباس : أنه مسجد نوح الذي علىالجودي .

وقال مجاهد : هو تينكم هذا .

( والزيتون ) قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد ، وغيرهم : هو مسجد بيت المقدس .

وقال مجاهد وعكرمة : هو هذا الزيتون الذي تعصرون .

( وطور سينين ) قال كعب الأحبار وغير واحد : هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى .

( وهذا البلد الأمين ) يعني : مكة . قاله ابن عباس ومجاهدوعكرمة والحسن وإبراهيم النخعي وابن زيد وكعب الأحبار . ولا خلاف في ذلك .

وقال بعض الأئمة : هذه محال ثلاثة ، بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار ، فالأول : محلة التين والزيتون ، وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم . والثاني : طور سينين ، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران . والثالث : مكةوهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا ، وهو الذي أرسل فيه محمدا صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 435 ]

قالوا : وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة : جاء الله من طور سيناء – يعني الذي كلم الله عليه موسى [ بن عمران ] – وأشرق من ساعير – يعني بيت المقدس الذي بعث الله منهعيسى – واستعلن من جبال فاران – يعني : جبال مكة التي أرسل الله منها محمدا – فذكرهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان ، ولهذا أقسم بالأشرف ، ثم الأشرف منه ، ثم بالأشرف منهما .

وقوله : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) هذا هو المقسم عليه ، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل ، منتصب القامة ، سوي الأعضاء حسنها .

( ثم رددناه أسفل سافلين ) أي : إلى النار . قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد ، وغيرهم . ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل ; ولهذا قال : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات )

وقال بعضهم : ( ثم رددناه أسفل سافلين ) أي : إلى أرذل العمر . روي هذا عن ابن عباس وعكرمة – حتى قال عكرمة: من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر . واختار ذلك ابن جرير . ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك ; لأن الهرم قد يصيب بعضهم ، وإنما المراد ما ذكرناه ، كقوله : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ العصر : 1 – 3 ] .

وقوله : ( فلهم أجر غير ممنون ) أي : غير مقطوع ، كما تقدم .

ثم قال : ( فما يكذبك ) يعني : يا ابن آدم ( بعد بالدين ) ؟ أي : بالجزاء في المعاد ، وقد علمت البدأة ، وعرفت أن من قدر على البدأة ، فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى ، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا ؟

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان عن منصور قال : قلت لمجاهد : ( فما يكذبك بعد بالدين ) عنى به النبي صلى الله عليه وسلم قال : معاذ الله! عنى به الإنسان . وهكذا قال عكرمة وغيره .

وقوله : ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) أي : أما هو أحكم الحاكمين ، الذي لا يجور ولا يظلم أحدا ، ومن عدله أن يقيم القيامة فينصف المظلوم في الدنيا ممن ظلمه . وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعا : ” فإذا قرأ أحدكم ( والتين والزيتون ) فأتى على آخرها : ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) فليقل : بلى ، وأنا على ذلك من الشاهدين ” .

قال مالك وشعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في سفر في إحدى الركعتين بالتين والزيتون ، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه . أخرجه الجماعة في كتبهم .

بسم الله الرحمن الرحيم

( اقرأ باسم ربك الذي خلق ( 1 ) خلق الإنسان من علق ( 2 ) اقرأ وربك الأكرم ( 3 ) الذي علم بالقلم ( 4 ) علم الإنسان ما لم يعلم ( 5 ) )

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عنعروة عن عائشة قالت : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم حبب إليه الخلاء ، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه – وهو : التعبد – الليالي ذوات العدد ، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزود لمثلها حتى فجأه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فيه فقال : اقرأ . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” فقلت : ما أنا بقارئ ” . قال : ” فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) حتى بلغ : ( ما لم يعلم ) قال : فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال : ” زملوني زملوني ” . فزملوه حتى ذهب عنه الروع . فقال : يا خديجة ، ما لي : فأخبرها الخبر وقال : ” قد خشيت علي ” . فقالت له : كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا ; إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق . ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن قصي – وهو ابن عم خديجة أخو أبيها ، وكان امرأ تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العربي ، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي – فقالت خديجة : أي ابن عم ، اسمع من ابن أخيك . فقال ورقة : ابن أخي ، ما ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى ، فقال ورقة : هذا الناموس الذي أنزل على موسىليتني فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أومخرجي هم ؟ ” . فقالورقة : نعم ، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . [ ثم ] لم ينشب ورقة أن توفي ، وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم – فيما بلغنا – حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه ، تبدى له [ص: 437 ] جبريل فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا . فيسكن بذلك جأشه ، وتقر نفسه فيرجع . فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك .

وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري وقد تكلمنا على هذا الحديث من جهة سنده ومتنه ومعانيه في أول شرحنا للبخاري مستقصى ، فمن أراده فهو هناك محرر ، ولله الحمد والمنة .

فأول شيء [ نزل ] من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات وهن أول رحمة رحم الله بها العباد ، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم . وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة ، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم ، فشرفه وكرمه بالعلم ، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدمعلى الملائكة والعلم تارة يكون في الأذهان ، وتارة يكون في اللسان ، وتارة يكون في الكتابة بالبنان ، ذهني ولفظي ورسمي ، والرسمي يستلزمهما من غير عكس ، فلهذا قال : ( اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) وفي الأثر : قيدوا العلم بالكتابة . وفيه أيضا : ” من عمل بما علم رزقه الله علم ما لم يكن [ يعلم ] .

( كلا إن الإنسان ليطغى ( 6 ) أن رآه استغنى ( 7 ) إن إلى ربك الرجعى ( 8 ) أرأيت الذي ينهى ( 9 ) عبدا إذا صلى ( 10 ) أرأيت إن كان على الهدى ( 11 ) أو أمر بالتقوى ( 12 ) أرأيت إن كذب وتولى ( 13 ) ألم يعلم بأن الله يرى ( 14 ) كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ( 15 ) ناصية كاذبة خاطئة ( 16 ) فليدع ناديه ( 17 ) سندع الزبانية ( 18 ) كلا لا تطعه واسجد واقترب ( 19 ) )

يخبر تعالى عن الإنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان ، إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله . ثم تهدده وتوعده ووعظه فقال : ( إن إلى ربك الرجعى ) أي : إلى الله المصير والمرجع ، وسيحاسبك على مالك : من أين جمعته ؟ وفيم صرفته ؟

قال ابن أبي حاتم : حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ ، حدثنا جعفر بن عون ، حدثنا أبو عميس ، عن عون ، قال : قال عبد الله : منهومان لا يشبعان ، صاحب العلم وصاحب الدنيا ، ولا يستويان [ ص: 438 ] فأما صاحب العلم فيزداد رضا الرحمن ، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان . قال ثم قرأ عبد الله : ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) وقال للآخر : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) [ فاطر : 28 ] .

وقد روي هذا مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” منهومان لا يشبعان : طالب علم ، وطالب دنيا ” .

ثم قال تعالى : ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ) نزلت في أبي جهل ، لعنه الله ، توعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عند البيت ، فوعظه الله تعالى بالتي هي أحسن أولا ، فقال : ( أرأيت إن كان على الهدى ) أي : فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله ، أو ( أمر بالتقوى ) بقوله ، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته ; ولهذا قال : ( ألم يعلم بأن الله يرى ) أي : أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه ، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء .

ثم قال تعالى متوعدا ومتهددا : ( كلا لئن لم ينته ) أي : لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد ( لنسفعن بالناصية ) أي : لنسمنها سوادا يوم القيامة .

ثم قال : ( ناصية كاذبة خاطئة ) يعني : ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في فعالها .

( فليدع ناديه ) أي : قومه وعشيرته ، أي : ليدعهم يستنصر بهم ( سندع الزبانية ) وهم ملائكة العذاب ، حتى يعلم من يغلب : أحزبنا أو حزبه .

قال البخاري : حدثنا يحيى ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : قال أبو جهل : لئن رأيتمحمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه . فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ” لئن فعله لأخذته الملائكة ” . ثم قال : تابعه عمرو بن خالد ، عن عبيد الله – يعني ابن عمرو – ، عن عبد الكريم .

وكذا رواه الترمذي والنسائي في تفسيرهما من طريق عبد الرزاق به ، وهكذا رواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن زكريا بن عدي ، عن عبيد الله بن عمرو به .

وروى أحمد والترمذي وابن جرير – وهذا لفظه – من طريق داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام ، فمر به أبو جهل بن هشام ، فقال : يا محمد ألم أنهك عن هذا ؟ – وتوعده – فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهره ، فقال : يا محمد [ ص: 439 ] بأي شيء تهددني ؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا ! فأنزل الله : ( فليدع ناديه سندع الزبانية ) قال ابن عباس : لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا إسماعيل بن زيد أبو يزيد ، حدثنا فرات ، عن عبد الكريم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن رأيت رسول الله يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه . قال : فقال : ” لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا ” .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، أخبرنايونس بن أبي إسحاق ، عن الوليد بن العيزار ، عن ابن عباس ، قال : قالأبو جهل : لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه . فأنزل الله عز وجل : (اقرأ باسم ربك الذي خلق [ خلق الإنسان من علق ] ) حتى بلغ هذه الآية : ( لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية ) فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فصلى فقيل : ما يمنعك ؟ قال : قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب . قال ابن عباس : والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر ، عن أبيه ، حدثنانعيم بن أبي هند ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا : نعم . قال : فقال : واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته ، قال : فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه ، قال : فقيل له : ما لك ؟ فقال : إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة . قال : فقال رسول الله : ” لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ” . قال : وأنزل الله – لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا – : ( كلا إن الإنسان ليطغى ) إلى آخر السورة .

وقد رواه أحمد بن حنبل ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم ، من حديث معتمر بن سليمان به .

وقوله : ( كلا لا تطعه ) يعني : يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها ، وصل حيث شئت ولا تباله ; فإن الله حافظك وناصرك ، وهو يعصمك من الناس ( واسجد واقترب ) كما ثبت في الصحيح – عند مسلم – من طريق عبد الله بن وهب ، عن [ ص: 4400 ]عمرو بن الحارث ، عن عمارة بن غزية ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عنأبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء ” .

بسم الله الرحمن الرحيم

( القارعة ( 1 ) ما القارعة ( 2 ) وما أدراك ما القارعة ( 3 ) يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ( 4 ) وتكون الجبال كالعهن المنفوش ( 5 ) فأما من ثقلت موازينه ( 6 ) فهو في عيشة راضية ( 7 ) وأما من خفت موازينه ( 8 ) فأمه هاوية ( 9 ) وما أدراك ما هيه ( 10 ) نار حامية ( 11 ) )

( القارعة ) من أسماء يوم القيامة ، كالحاقة ، والطامة ، والصاخة ، والغاشية ، وغير ذلك .

ثم قال معظما أمرها ومهولا لشأنها : ( وما أدراك ما القارعة ) ؟ ثم فسر ذلك بقوله : ( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ) أي : في انتشارهم وتفرقهم ، وذهابهم ومجيئهم ، من حيرتهم مما هم فيه ، كأنهم فراش مبثوث كما قال في الآية الأخرى : ( كأنهم جراد منتشر )

وقوله : ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) يعني : قد صارت كأنها الصوف المنفوش ، الذي قد شرع في الذهاب والتمزق .

قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ،وقتادة ، وعطاء الخراساني ، والضحاك ، والسدي : ” العهن ” الصوف .

ثم أخبر تعالى عما يئول إليه عمل العاملين ، وما يصيرون إليه من الكرامة أو الإهانة ، بحسب أعمالهم ، فقال : ( فأما من ثقلت موازينه ) أي : رجحت حسناته على سيئاته ( فهو في عيشة راضية ) يعني : في الجنة . ( وأما من خفت موازينه ) أي : رجحت سيئاته على حسناته .

وقوله : ( فأمه هاوية ) قيل : معناه : فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم . وعبر عنه بأمه – يعني دماغه – روي نحو هذا عن ابن عباس ، وعكرمة ،وأبي صالح ، وقتادة – قال قتادة : يهوي في النار على رأسه ، وكذا قال أبو صالح : يهوون في النار على رءوسهم .

وقيل : معناه : ( فأمه ) التي يرجع إليها ، ويصير في المعاد إليها ( هاوية ) وهي اسم من أسماء النار .

قال ابن جرير : وإنما قيل : للهاوية أمه ; لأنه لا مأوى له غيرها .

[ ص: 469 ]

وقال ابن زيد : الهاوية : النار ، هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها ، وقرأ : ( ومأواهم النار ) [ آل عمران : 151 ] .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن قتادة أنه قال : هي النار ، وهي مأواهم . ولهذا قال تعالى مفسرا للهاوية : ( وما أدراك ما هيه نار حامية )

قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى : حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الأشعث بن عبد الله الأعمىقال : إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين ، فيقولون : روحوا أخاكم ، فإنه كان في غم الدنيا . قال : ويسألونه : وما فعل فلان ؟ فيقول : مات ، أوما جاءكم ؟ فيقولون : ذهب به إلى أمه الهاوية

وقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعا ، بأبسط من هذا . وقد أوردناه في كتاب صفة النار ، أجارنا الله منها بمنه وكرمه .

وقوله : ( نار حامية ) أي : حارة شديدة الحر ، قوية اللهيب والسعير .

قال أبو مصعب ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عنالأعرج ، عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ” . قالوا : يا رسول الله ، إن كانت لكافية . فقال : ” إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا ” .

ورواه البخاري ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، عنمالك . ورواه مسلم ، عن قتيبة ، عن المغيرة بن عبد الرحمن ، عن أبي الزناد به ، وفي بعض ألفاظه : ” أنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا ، كلهن مثل حرها ” .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا حماد – وهو ابن سلمة – ، عن محمد بن زياد – سمع أبا هريرة يقول : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : ” نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ” . فقال رجل : إن كانت لكافية . فقال : ” لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا حرا فحرا ” .

تفرد به أحمد من هذا الوجه ، وهو على شرط مسلم .

[ ص: 470 ]

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا سفيان ، عن أبي الزياد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم – وعمرو ، عن يحيى بن جعدة- : ” إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ، وضربت بالبحر مرتين ، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد ” .

وهذا على شرط الصحة ولم يخرجوه من هذا الوجه ، وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق [ ابن أبي الزناد ] .

ورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخدري : ” ناركم هذه جزء من سبعين جزءا ” .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد العزيز – هو ابن محمد الدراوردي – ، عن سهيلعن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” هذه النار جزء من مائة جزء من جهنم ” .

تفرد به أيضا من هذا الوجه ، وهو على شرط مسلمأيضا .

وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن عمرو الخلال ، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، حدثنامعن بن عيسى القزاز ، عن مالك ، عن عمه أبي سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم ؟ لهي أشد سوادا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفا ” .

وقد رواه أبو مصعب ، عن مالك ولم يرفعه . وروىالترمذي وابن ماجه ، عن عباس الدوري ، عن يحيى ابن أبي بكير : حدثنا شريك ، عن عاصم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت ، فهي سوداء مظلمة ” .

وقد روي هذا من حديث أنس وعمر بن الخطاب .

[ ص: 471 ]

وجاء في الحديث – عند الإمام أحمد – من طريقأبي عثمان النهدي ، عن أنس – وأبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد وعجلان مولى المشمعل ، عن أبي هريرة – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان يغلي منهما دماغه ” .

وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” اشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب ، أكل بعضي بعضا ، فأذن لها بنفسين : نفس في الشتاء ، ونفس في الصيف . فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها ، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها ” .

وفي الصحيحين : ” إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ، فإن شدة الحر من فيح جهنم “

Scroll To Top